احمد البيلي
92
الاختلاف بين القراءات
أفواجا من المؤمنين ، وإذا كانت المعارك القتالية لم تؤد النتيجة المرتجاة ، فلما ذا لا يحاول أعداء الإسلام حربا أخرى ، ميدانها القرآن نفسه ، وسلاحهم فيها ، العبث بالنصوص . وتحميلها ما لا تحتمل ، والتدليس فيها ، فلعلهم بعد هذا كله يصلون إلى ما يبتغون ، فيرتد المؤمنون ، ويحجم عن اعتناقه الآخرون . فمنذ أن اتجهت الدول الاستعمارية ، إلى الأقطار الإسلامية ، غازية وحاكمة ، ومطبقة على الشعوب قوانينها الوضعية ، ما انفكت كتائب الاستشراق ، تشرع أسلحتها الفكرية لهدم الدين الإسلامي وتقويض أركانه ، ولذا فتحوا عدة جبهات ، فتعرضوا لسيرة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، وهاجموا بعض الأنظمة الإسلامية ، كتعدد الزوجات ، وإباحة الطلاق ، وعقوبتي الزنا والسرقة ونظام الرق وهلم جرا . ومن بعض جبهات القتال هذه ، القراءات القرآنية ، ونظرا لأنها تتصل بالمصدر الإسلامي الأول ، فقد توقعوا أن ينجحوا في هذه الجبهة إن كانوا قد فشلوا في الجبهات الأخرى . وبذلك يصلون إلى ما يبتغون . ويحققون بالأقلام ، ما لم يتحقق بالحديد والنار . ولذا رحلت كتائب المستشرقين إلى الشرق الإسلامي باحثة عن المصادر ما بين مخطوط ومطبوع ، فجمعوا منها الآلاف . وظلوا ينقبون في المصادر المتصلة بالقرآن هنا وهناك ، فإذا وجدوا نصا يشير إلى حفظ القرآن من التحريف والتبديل تركوه ، وإذا عثروا على قول يمكن أن يتخذ دليلا على ما يرومونه ، نقلوه وهللوا له وكبروا لأنهم - كما توهموا - وجدوا الضالة التي ينشدون فقد قال المبشر « جون تاكلي » John Takle « يجب أن نستخدم كتابهم ( القرآن الكريم ) وهو أمضى سلاح في الإسلام ضد الإسلام نفسه ، لنقضي عليه تماما ، يجب أن نري هؤلاء الناس أن الصحيح في القرآن ليس جديدا ، وأن الجديد فيه ليس صحيحا « 40 » » . ولكن مع هذه الجهود الضخمة التي كلفتهم أموالا وأوقاتا ، فقد رجع المستشرقون على أعقابهم خاسرين ، فها هو ذا الإسلام يمد كل يوم بساطه على أرض جديدة ، لا في قارتي
--> ( 40 ) التبشير والاستعمار ص 40 .